عثمان بن جني ( ابن جني )
213
سر صناعة الإعراب
فأما قول بعضهم : « هنيهة » فإنما الهاء في « هنيهة » بدل من الياء في « هنيّة » ، والياء في « هنيّة » بدل من الواو في « هنيوة » . فأما قولهم في هاء « زنادقة » و « فرزانة » « 1 » إنها بدل من الياء في « زناديق » و « فرازين » فليسوا يريدون بذلك البدل على حد إبدالهم الألف في « قام » و « باع » عن الواو والياء ، وإنما يعنون أن الهاء لّما طال الكلام بها صارت كالعوض من الياء ، كما صار طول الكلام بين الفعل والفاعل في نحو « حضر القاضي اليوم امرأة » عوضا من تاء التأنيث في « حضرت » . وهذا باب واسع إلا أنه ليس مما قدمناه . ونحو من هذا قولهم في الهاء من « عدة » و « زنة » و « شية » إنها صارت عوضا من الواو التي هي فاء الفعل في « وعدت » و « وزنت » و « وشيت » فافهم ذلك . إبدال الهاء من الواو قد أبدلوها في حرف واحد ، وهو قول امرئ القيس « 2 » : وقد رابني قولها : يا هنا * ه ويحك ألحقت شرّا بشر « 3 » فالهاء الآخرة في « هناة » بدل من الواو في « هنوك » و « هنوات » - وقد دللنا على ذلك في أول الكتاب - وكان أصله « هناو » فأبدلت الواو هاء ، فقالوا : « هناه » . هكذا قال أصحابنا « 4 » . ولو قال قائل : إن الهاء في « هناه » إنما هي بدل من الألف المنقلبة من الواو الواقعة بعد ألف « هناه » إذ أصله « هناو » ثم صار « هناا » كما أن أصل « عطاء » « عطاو » ، ثم صار بعد القلب « عطاا » - وقد دللنا على ذلك في أول الكتاب - فلما صار « هناا » والتقت ألفان كره اجتماع الساكنين ، فقلبت الألف
--> ( 1 ) الفرزانه : جمع فرزان ، وهو الشطرنج معرب . القاموس المحيط ( 4 / 255 ) . ( 2 ) سبق تخريجه . ( 3 ) رابني : الريب : الظن والشك والتهمة . القاموس المحيط ( 1 / 77 ) . ألحقت : أي أتبعت . والمقصود أنك أتبعت شرا بشر . والشاهد فيه إبدال الهاء من الواو في قوله « هناه » . والبيت لم يذكره صاحب اللسان ، وجاء في ديوان امرئ القيس كما سبق ذكر ذلك . ( 4 ) يعني البصريين .